الصحة في الوسط المهني… ركيزة للتنمية المستدامة وخيار استراتيجي للدولة
احتضن فندق AZ بزرالدة، أشغال الملتقى– الورشاتي حول إعداد المخطط الوطني الاستراتيجي للصحة في الوسط المهني 2026–2030، في محطة وطنية بالغة الأهمية تعكس تنامي الوعي الرسمي بأبعاد الصحة المهنية ودورها المحوري في تعزيز الأداء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وجرى افتتاح هذا الحدث الوطني الهام نيابةً عن السيد وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، من طرف رئيس ديوان وزارة الصحة، الدكتور حاج معطي خليل رضا، بحضور ممثل منظمة الصحة العالمية بالجزائر، وممثل منظمة العمل الدولية، وممثلة الوكالة الوطنية للأمن الصحي، إلى جانب ممثلي قطاعات وزارية مختلفة، وخبراء، وباحثين، وأعضاء اللجنة الوطنية لطب العمل.
الصحة المهنية… من خيار ثانوي إلى أولوية وطنية
وفي الكلمة التي أُلقيت نيابةً عن وزير الصحة، جرى التأكيد على أن الصحة في الوسط المهني لم تعد مسألة ثانوية، بل أصبحت ركيزة أساسية في السياسات العمومية، لما لها من تأثير مباشر على إنتاجية العمال، وجودة الأداء، واستمرارية المؤسسات، فضلًا عن دورها في تعزيز التماسك الاجتماعي.
وأوضح وزير الصحة أن هذا الملتقى يشكّل فضاءً علميًا وتشاوريًا لتبادل الخبرات، وتقاسم الممارسات الجيدة، ومناقشة التحديات الراهنة التي تواجه الصحة المهنية، مع استشراف آفاق تطوير آليات الوقاية والتكفل الصحي بالعاملين، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية للصحة العمومية وأهداف التنمية المستدامة.
الوقاية استثمار مربح
وأبرز وزير الصحة أن الاستثمار في الوقاية بالصحة المهنية أثبت، وفق التجارب الدولية المدعومة من منظمة الصحة العالمية وشركائها، فعاليته من خلال تحسين صحة العمال، تقليص الغيابات المهنية، رفع الإنتاجية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، معتبرًا أن الصحة المهنية تمثل أحد أعمدة التنمية البشرية والتقدم الاقتصادي.
كما شدّد على أن مفهوم الصحة في الوسط المهني لا يقتصر على الوقاية من الحوادث المهنية فقط، بل يشمل كذلك تعزيز الرفاهية في أماكن العمل، والوقاية من الأمراض المزمنة، وحماية الصحة النفسية والجسدية، والحد من التعرض للمخاطر الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية.
طب العمل… خط الدفاع الأول
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على الدور المحوري لطب العمل كأداة أساسية للوقاية، لا سيما في مجال الوقاية من السرطانات المهنية، وذلك من خلال: التقييم المبكر للمخاطر المهنية، المراقبة الطبية المنتظمة للعمال المعرّضين، الكشف المبكر عن الحالات المشبوهة
متابعة التعرض المهني للمواد المسرطنة
المساهمة في تحسين ظروف العمل وتقليص عوامل الخطر داخل أماكن الإنتاج
كما أبرز وزير الصحة الدور الاستراتيجي لقطاع الصحة في وضع وتنفيذ السياسات التنظيمية، خاصة ما يتعلق بمراقبة وتنظيم التعرض للمواد السامة ذات التأثيرات الخطيرة على الصحة العصبية والدموية والإنجابية، وذلك عبر إعداد وتحيين المعايير الوطنية وحدود التعرض المهني، تعزيز أنظمة المراقبة الصحية والبيئية، توسيع التنسيق مع القطاعات الشريكة، لاسيما العمل، البيئة، الطاقة والصناعة
مقاربة وطنية متكاملة
وأكد المتدخلون أن التحولات المتسارعة في عالم العمل تفرض اعتماد مقاربة وطنية متكاملة، قائمة على التنسيق بين وزارة الصحة وبقية القطاعات المعنية، من أجل صياغة سياسة وطنية شاملة ومستدامة ترتكز على الوقاية، وتستجيب للمعايير الوطنية والدولية.
ويُعد هذا الملتقى خطوة محورية نحوي بلورة رؤية وطنية مشتركة للصحة المهنية، دراسة وتحيين الأطر القانونية والتنظيمية وتعزيز نظم المعلومات والرصد
تحديد إجراءات عملية قابلة للتنفيذ على المدى القصير والمتوسط
كما تتناول أشغال الملتقى محاور أساسية تشمل الإطار القانوني، الحوكمة، نظم المعلومات، والتكوين، بهدف الخروج بتوصيات واضحة وفعّالة تعزز الصحة في الوسط المهني.
دعم دولي والتزام وطني
ومن جهته، عبّر ممثل منظمة الصحة العالمية، الدكتور فانويل هابيمانا، عن تقديره لهذه المبادرة، معتبرًا أنها تعكس التزام الجزائر بتطوير خطة استراتيجية وطنية للصحة والسلامة المهنية للفترة 2026–2030، بما يعزز حماية صحة العمال، ويدعم المساواة، ويتماشى مع الالتزامات الدولية.
كما شدّد على الحاجة الملحّة لتحسين جودة البيانات، وتوثيق الحوادث والأمراض المهنية، وتحديد الأولويات الوطنية بدقة، مؤكدًا أن الجزائر تمتلك مقومات معتبرة، ويُعد الإطار القانوني حجر الزاوية لإنجاح هذا المسار.
نحو بيئة عمل صحية وآمنة
واختُتمت أشغال الافتتاح بدعوة وزير الصحة جميع الفاعلين إلى المساهمة الفعالة بخبراتهم والعمل المشترك من أجل صياغة حلول عملية تضمن تحسين ظروف العمل، وحماية صحة العمال الجزائريين، وتحقيق استدامة المكاسب المحققة.
وبذلك، يكرّس هذا الملتقى قناعة راسخة مفادها أن الصحة في الوسط المهني ليست عبئًا اقتصاديًا، بل استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان، والتنمية، ومستقبل الجزائر
جمال غزالي




