📢 للإعلان في موقع الجنوب أو الجريدة الورقية، يرجى مراسلتنا على البريد الإلكتروني: komas.aljanoob@gmail.com | رقم الفاكس: 028133022 | رقم الهاتف: 0770334701

قماش الصالون الخريفي الممطر

 

سارة عبد العزيز : القاهرة

بعد أمطار خريفية متواصلة، غرقت الأرض لينعم سكان الحي بنسيم محمل ببخار الماء الرطب مودعا الصيف بقرار لا رجعة فيه، وينشر على البيوت فرحة وشجن، معلنة أيضا عن وقت إقامة الأعراس والخطبات، فها هو فصل الخريف ليس بصقيع الشتاء وقسوته ولا بقيظ الصيف المغرق بالعرق المالح والذي يبدن فيه الفتيات أكثر قبحا حتى و لو كن موفورات الجمال، عندما تنصهر المساحيق على وجوههن الشابة .. لكنه هذا الخريف جاء مبتعدا عن كل تلك الثغرات المناخية التي تفسد الاعراس .. وسط هذا كله كان هناك في أحد المنازل وفي أحد الغرف المنسية تقبع كومة كبيرة أشبه بكومة التبن مكورة متربة وقد وجدت لها مكانا وسط زحام أمتعة قديمة وما تبقى منها عبر الزمن في هذا البيت , كان طرف صغير من الكومة يفصح عن أنها لفة كبيرة من القماش الفاخر ولكنه مترب من أثر الزمن ، حتى كأنه يبدو ترك طويلا في ذلك الركن المظلم في انتظار مقص ترزي أو مطرقة نجار ينجد به صالون .. حقيقة الأمر، كان قماش صالون بالفعل مصنوع من القطن المصري، مخلوط بالحرير الفاخر الأصلي، بصنعة باريسية مفعمة بالأنوثة محلى بزهور تفيض حياة وألوانا لها العجب.. خليط ما بين ليال باريس العطرة و الحقول المصرية المشمسة الفائضة .. في أزمنة سابقة، وحتى الاّن يعد، غالي الثمن جدا حمله الأب والأم معهم من خارج البلاد عبر سفرة لهم في أيام كانوا فيها أكثر ترفا وفي سعه رزق وسعادة تفوق بكثير ما يعيشونه الاّن من هم و بؤس ..

اعتادت أبنتهم الوحيدة على ما تردد على مسامعها من تهافت أقاويل من امها، حول أن القماش لها منذ كانت طفلة وباتت تحلم به يكلل جهاز عرسها الذي لم يجئ أبدا ..كانت زيجتها تعسة وبدون عرس أو جهاز لأنها قد فقدت عذريتها في حادث عنف اسري قديم ووسط صمت العائلة. زوجوها بأول شخص تقدم لخطبتها. وحتى الأم أنكرت بأنها أعطت القماش لأبنتها بل أتخذته لنفسها ليظل مهملا و محجوزا لحدث ما غامض بمستقبل غير معلوم .. اما بيت الأبنة فرش بالكامل من سوق بيع المستعمل في احتقار لم تراه في حياتها، دفعها للبكاء ليال طويلة مع تساؤل جارح يجول بخاطرها كيف يمكن أن يكون الأهل بهذه القسوة والنفور ؟؟ ..حتى الزوج تفاقمت معاملته الفظة للفتاة التي تزوجها على حد قوله بأرخص الأثمان وأقل مجهود، وكأنها بضاعة مستهلكة صدئة لم يحترمها أبدا .. على وجه الخصوص بسبب تفريطها بذلك الشيء الغالي الثمين رغم هشاشته، شيء يسمى غشاء البكارة، و لم يصدقوا أبدا أنها فقدته في حادث ضرب من أخاها الوحيد و دون أن تفقد نقطة دم واحدة في حالة طبية نادرة لم يستوعبوها، حتى انهم عاملوها طوال حياتها على أنها لم تكن عذراء ابدا في الأصل عوض أن يتهموها في شرفها ..ليتمكن منهم الإنكار و يخضع لذواتهم المتعالية أمام موروث بال.. وتوالت الأيام حتى طلقها الزوج وتركها تعيش وحيدة وذهب ..

تناوبت زياراتها لبيت عائلتها، ولم يفلت منها حلم قماش جهازها المسلوب. كانت تتسلل الى الغرفة المنسية، تتحسسه بيدها في تموجات من الخيال فرحة، عن بيت هانئ حلمت به يوما لم يخل من عرس أو بهجة جهاز العروس . ومثل الأزمنة الغابرة المظلمة سقط الجميع في مستنقع التواطؤ حول حرمان تلك الابنة من قماش عرسها المزهر … وفي يوم خريفي أيضا، وكان جميع سكان الحي في حالة استعداد لعرس أحدى الفتيات العذروات والتي تسكن البناية المواجهة لهم..حضرت الأبنة الوحيدة لتلك الأسرة الصغيرة والتي فقدت عذريتها في حادث غامض منذ زمن بعيد، وفي غفوة الزحام تسللت الى الغرفة التي أحتجز فيها هذا القماش وأشعلت فيه النيران. أصاب الذعر الجميع والتفوا حولها في محاولة لإطفاء زهراته المشتعلة والتي التهمت القماش كله وسط ضجيج ضحكاتها الأشبه للغناء ..كانت و لسوء الحظ وعبث الأقدار. في تلك اللحظة قد أصابها الجنون .. وللأبد.

كاتبة ومخرجة سينمائية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى