معركة هود شيكة.. ملحمة بطولية خالدة في صحراء وادي سوف

في قلب صحراء الجنوب الشرقي الجزائري، وتحديدًا في بلدية الجديدة بولاية الوادي، سطّر المجاهدون الجزائريون واحدة من أعظم الملاحم البطولية في تاريخ الثورة التحريرية، وهي معركة هود شيكة، التي وقعت خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 10 أوت 1955. هذه المعركة، التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية، جسّدت أسمى معاني الفداء والصمود في وجه آلة الاستعمار الفرنسي.
سياق تاريخي وموقع استراتيجي
جاءت معركة هود شيكة ضمن سياق استراتيجي بالغ الأهمية، حيث كانت تهدف إلى فك الحصار المفروض على منطقة الأوراس، وبعث رسالة قوية مفادها أن الثورة لم تعد محصورة في الشمال الجبلي فقط، بل امتدت إلى عمق الصحراء الجزائرية. كما جاءت بمثابة مقدّمة لهجمات الشمال القسنطيني التي جرت في 20 أوت 1955، ما أضفى عليها رمزية كبرى في مسار الكفاح المسلح.
الموقع الذي اختير للمعركة، وهو “غوط نخيلي” كثيف يُعرف محليًا بـ”هود شيكة”، وفّر طبيعة ميدانية صعبة مكنت المجاهدين من تحصين أنفسهم وشن عمليات مباغتة ناجحة.
قاد هذه الملحمة الباسلة الشهيد محمد الأخضر عمارة، المعروف باسم حمّه لخضر، الذي كان يتمتع بخبرة ميدانية واسعة ومعرفة دقيقة بتضاريس المنطقة. وقد شارك في المعركة حوالي 34 مجاهدًا من أبناء وادي سوف، ارتفع العدد لاحقًا إلى ما بين 32 و45 مجاهدًا بعد انضمام آخرين.
بدأت المعركة بكمين نوعي لوحدة فرنسية، أسفر عن تدمير عربات عسكرية والاستيلاء على أسلحة ومؤونة دون خسائر في صفوف المجاهدين. بعدها، تم تنفيذ خطة تطويق ذكية باستخدام الغوط كنقطة كمين لفوج فرنسي آخر، ما أدى إلى مقتل القائد الفرنسي (رقيب) بقذيفة مباشرة.
على مدار ثلاثة أيام، صمد المجاهدون داخل الغوط رغم الحصار الفرنسي من ثلاث جهات، واستمروا في القتال ببسالة رغم نقص الذخيرة وشحّ الماء. أظهر القائد حمه لخضر حسًا إنسانيًا عاليًا، إذ أمر بحفر بئر داخل الغوط لتوفير الماء للمقاتلين وأشرف بنفسه على إسعاف الجرحى، في وقت كانت فيه الطائرات الفرنسية تقصف بشكل متواصل.
ورغم كل الصعوبات، لم يتمكن الجيش الفرنسي من اقتحام موقع التحصن، واضطر لاستخدام سلاح الجو بعد فشل كل محاولاته البرية، مما كبّده خسائر بشرية ومادية جسيمة.
حيث بلغ عدد شهداء المعركة من المجاهدين حوالي 31 شهيدًا، ولم ينجُ منهم سوى المجاهد قريد عبد المالك، الملقب بـ”الجنة”، والذي ظل شاهدًا حيًا على تفاصيل المجزرة البطولية.
أما القوات الفرنسية، فقد تكبّدت خسائر فادحة تُقدّر بين 500 إلى 600 قتيل، إضافة إلى عشرات الجرحى، وتدمير عدد كبير من العربات وسقوط أربع طائرات. هذه الأرقام، التي لم تعترف بها فرنسا رسميًا حينها، بقيت شاهدة على حجم الكارثة العسكرية التي تعرض لها الاحتلال في صحراء وادي سوف.
لم تمر معركة هود شيكة مرور الكرام على قادة الثورة، حيث اعتبرها الشهيد شيحاني بشير مؤشرًا على اتساع رقعة الثورة وشموليتها الوطنية، وحيّا بسالة المجاهدين الذين قاتلوا حتى الرمق الأخير.
كما ألهمت هذه الملحمة الشاعر الكبير مفدي زكريا، فخلّدها في أبيات من “الإلياذة”، بينما صدحت الحناجر النسوية في وادي سوف بالأغاني الشعبية التي مجّدت أبطال الغوط، وعلى رأسهم القائد حمه لخضر.
تعد معركة هود شيكة اليوم من العلامات الفارقة في تاريخ الثورة الجزائرية، وجرى توثيقها في العديد من الكتب والمراجع التاريخية، كما خُصصت لها أجنحة في متحف المجاهد في الأغواط، تخليدًا لأرواح الشهداء وإبرازًا لقيمة التضحية في سبيل الوطن.
ختامًا، تبقى هود شيكة أكثر من مجرد معركة عسكرية، إنها صرخة حرية صدحت من قلب الصحراء، ونموذج نادر في التنسيق والتخطيط والتضحية، أثبت أن الشعب الجزائري كان مستعدًا لتقديم الغالي والنفيس من أجل استقلاله. محمد البشير مهرية




