منصة عالمية للتقنيات المبتكرة وتعزيز الاستدامة
تحقيق استدامة الموارد المائية في إفريقيا محور المؤتمر الدولي
تحلية مياه البحر.. خيار استراتيجي لتعزيز الأمن المائي بالجزائر
البروفيسور موحوش لـ “الجنوب “: الجزائر تواجه تحديات ندرة المياه بذكاء
تستعد الجزائر خلال شهر مارس 2026 لاستضافة المؤتمر الدولي للأمن المائي في إفريقيا (CIC الجزائر)، وهو حدث عالمي بارز يجمع خبراء المياه والهيدروليك وباحثين ومؤسسات رائدة من مختلف أنحاء العالم، لمناقشة أحدث التقنيات والحلول المبتكرة في إدارة الموارد المائية وتحقيق أمن مائي مستدام على مستوى القارة الإفريقية. ويأتي هذا الحدث في وقت تشهد فيه الجزائر، مثلها مثل العديد من دول إفريقيا الشمالية والجنوبية والصحراوية، تحديات متزايدة تتعلق بندرة المياه وارتفاع الطلب عليها في القطاعات الزراعية والصناعية والحضرية، فضلاً عن تأثيرات التغير المناخي التي تهدد استدامة الموارد المائية.
ويشكل المؤتمر والمعرض المصاحب له منصة فريدة لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات الدولية، حيث سيتم تنظيم ورشات عمل متخصصة، جلسات علمية، وعروض تطبيقية لأحدث الحلول التكنولوجية. ويشارك في الحدث شركات متخصصة في محطات تحلية المياه، السدود، شبكات الري الموفرة، وتقنيات معالجة مياه الصرف الصحي، بما يعكس التوجه المتسارع نحو تطوير قطاع مائي مستدام وفعال يخدم احتياجات الجزائر والدول الإفريقية الشقيقة.
ويعد المعرض جزءا أساسيا من أهداف المؤتمر، إذ يمثل منصة استراتيجية لدعم الاستثمارات الوطنية والأجنبية في مشاريع المياه والهيدروليك، بما يشمل إنشاء السدود، محطات التحلية، ومشاريع الري الحديثة. ومن المتوقع أن يفتح هذا الحدث سوقا واسعة أمام المؤسسات الوطنية والخبراء الجزائريين، لتمكينهم من لعب دور محوري في مشاريع البنية التحتية المائية على المستوى الإقليمي والدولي، خصوصا في إفريقيا، حيث تعاني العديد من الدول من شح حاد في الموارد المائية.
ويؤكد الخبراء أن الطلب المتزايد على المياه في الجزائر، إلى جانب التحولات المناخية التي تؤثر على الموارد الطبيعية، يجعل من قطاع المياه ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية المستدامة. ويشير المختصون إلى أن اعتماد تقنيات مبتكرة وذكية، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات التكنولوجية، يمثل السبيل الأمثل لمواجهة تحديات ندرة المياه وتحويلها إلى فرص تنموية، سواء على مستوى الجزائر أو القارة الإفريقية بشكل عام.
ويعكس استضافة الجزائر لهذا المؤتمر الدولي طموحها لأن تكون منصة محورية لتعزيز الأمن المائي في إفريقيا، من خلال تكثيف الجهود العلمية، الابتكار التكنولوجي، والتعاون بين الدول لتطوير حلول عملية قادرة على مواجهة التحديات المائية الحالية والمستقبلية.
تشجيع البحث العلمي وتكنولوجيا المياه
أحد أبرز أهداف المعرض هو تشجيع البحث العلمي والابتكار في مجال تكنولوجيا المياه. حيث يتيح المعرض للشركات الناشئة والمختبرات البحثية عرض ابتكاراتها في مجالات معالجة المياه، ترشيد الاستهلاك، مراقبة الجودة، وتحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة.
وفي تصريح خاص لـ”الجنوب”، أكد البروفيسور إبراهيم موحوش، عضو المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا وخبير الاقتصاد والتسيير المائي، أن “هذا المعرض يشكل جسر تواصل بين البحث العلمي والتطبيق الصناعي، ويتيح تبني أحدث الحلول الذكية التي تساعد على ترشيد الاستهلاك وتحسين جودة المياه في جميع مناطق البلاد، مع التركيز على الابتكار المحلي وتوطين التكنولوجيا”.
ويشير البروفيسور موحوش إلى أن “دعم الابتكار العلمي في قطاع المياه ليس خيارا، بل ضرورة استراتيجية، لأنه يمكن أن يسهم في تحويل التحديات المائية إلى فرص اقتصادية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في تقنيات مهمة مثل محطات التحلية وأنظمة الري الذكية”.
ويشمل المعرض مجموعة من الندوات والمؤتمرات العلمية المصاحبة، التي ستبحث مواضيع رئيسية مثل إدارة الموارد المائية في ظل التغير المناخي، دمج التكنولوجيا الرقمية في أنظمة الري، وتطوير حلول مبتكرة لتحلية ومعالجة المياه. كما سيتم عرض مشاريع رائدة وتجارب ناجحة من دول مختلفة، لتبادل الخبرات وتطبيق أفضل الحلول العالمية على المستوى الوطني.
هذا وتسعى الجزائر من خلال هذا الحدث إلى تعزيز الاستدامة في إدارة الموارد المائية، من خلال دمج الابتكار، البحث العلمي، والتخطيط الاستراتيجي في جميع المشاريع المائية. ويؤكد الخبراء أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تحقق كفاءة عالية في استهلاك المياه، حماية الموارد الطبيعية، وتحسين جودة الحياة للمواطنين، فضلاً عن تعزيز موقع الجزائر على الخريطة العالمية للابتكار في مجال الهيدروليك والمياه.
ندرة المياه خطر دائم يتطلب إدارة حكيمة
وأكد البروفيسور إبراهيم موحوش، في حديثه حول التحديات المائية التي تواجه الجزائر، أن البلاد مطالبة بالاستعداد لكل الاحتمالات المتعلقة بالمياه، باعتبار ندرة هذه الموارد خطرا دائما يترتب على تجاهل إدارتها بشكل حكيم. وقال: «يجب أن نعرف كيف نتصرف كما لو أن المجال المائي محاط بمخاطر طويلة الأمد في مساراتها المختلفة. علينا تجهيز أنفسنا بكل الوسائل المناسبة لأي احتمال، مع الحفاظ على أعلى درجات الحذر واليقظة».
وأشار البروفيسور موحوش إلى أن مكانة الجزائر على المستوى العالمي مرتبطة بشكل مباشر بسيطرتها على مواردها المائية، قائلا: «فقه الموارد المائية القليلة يظهر أهميته البالغة إذا سيرت بطريقة محكمة، أي أن قيمة أي قطرة ماء تُستثمر وفق تسيير علمي يضمن الحفاظ عليها وعدم تبديدها».
واقع الموارد المائية في الجزائر
تعتبر الجزائر من البلدان الأكثر عرضة لمشكلة ندرة المياه، إذ يبلغ نصيب الفرد من المياه حوالي 270 متر مكعب سنويا، أي أقل من 5٪ من المتوسط العالمي البالغ 6000 متر مكعب، وحوالي 27٪ فقط من عتبة الندرة التي حددها البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، ويضيف البروفيسور موحوش أن التوزيع الجغرافي للمياه في الجزائر يعكس التحديات الكبرى، إذ تتركز المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة في باطن الصحراء الشاسعة، بينما يعاني شمال البلاد من ندرة مياه شبه دائمة، لا سيما في القطاع الزراعي الذي يُعد من أكبر مستهلكي المياه.
أما المياه المتجددة، فيتمثل مصدرها الأساسي في الأمطار التي تقدر سنوياً بحوالي 211 مليار متر مكعب، إلا أن الكمية المتجددة المتاحة فعليا لا تتجاوز 11.7 مليار متر مكعب، موزعة بين 1.5 مليار متر مكعب مياه جوفية و10.2 مليار متر مكعب مياه سطحية. ويشير الخبير إلى أن الموقع الجغرافي للجزائر في منطقة جافة يجعل من التكيف مع ندرة المياه ضرورة حتمية، مع استثمار كل قطرة ماء بشكل عقلاني ومرن.
استراتيجيات التنمية المائية
وفيما يتعلق بالخطط الاستراتيجية لإدارة المياه، يوضح البروفيسور موحوش أن التركيز ينصب على تحسين كفاءة الاستخدام العام للمياه، وخاصة في الزراعة، مع تطبيق أسعار معقولة للمتر المكعب لضمان إدخال منطق الاقتصاد في استهلاك مياه السقي.
ويشير إلى ضرورة تنظيم الطلبات وإرساء القواعد والمبادئ الأساسية للسقي، وتشجيع إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، والتي تمثل حالياً أقل من 5٪ من حجم المياه المفقودة سنوياً، أي نحو 1.5 مليار متر مكعب. كما أشار إلى وجود حوالي 230 محطة تصفية على مستوى الوطن، ودورها الحيوي في ضمان معالجة وإعادة استخدام المياه بشكل مستدام.
التوجه نحو أنظمة ري موفرة للمياه
ويؤكد البروفيسور موحوش على أهمية تعميم أنظمة الري الموفرة للمياه، مثل الري بالتنقيط والرش المحوري، مع الأخذ بعين الاعتبار نوعية المحاصيل المختلفة، مشيراً إلى أن هذا الانتقال من أنظمة الري التقليدية يمثل خطوة استراتيجية نحو استدامة الموارد وتحقيق الأمن المائي.
وأضاف: «المزارع هو المسؤول الأول عن إدارة المياه المخصصة للقطاع الزراعي، ويجب توجيهها بشكل مثالي نحو الخزانات الكبيرة للمياه العذبة، ما يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المائية المتاحة».
وبالتأكيد على أن مستقبل الجزائر ومكانتها في العالم يعتمد بشكل مباشر على سيطرتها على مواردها المائية المحدودة، وأن الإدارة الرشيدة لهذه الموارد ليست خياراً، بل ضرورة وطنية واستراتيجية لا غنى عنها. وأضاف: «كل خطوة نحو الاستخدام العقلاني للمياه، كل قطرة يتم استثمارها بحكمة، تقربنا من تحقيق الأمن المائي وضمان استدامة هذه الثروة الحيوية للأجيال القادمة».
البروفيسور موحوش: إدارة المياه في الجزائر تتطلب استخداما عقلانيا واستدامة حقيقية
قال البروفيسور إبراهيم موحوش، إن تحسين إدارة الموارد المائية في الجزائر أصبح ضرورة وطنية ملحة، خاصة في ظل محدودية المياه المتجددة وارتفاع الطلب عليها في القطاعات الزراعية والصناعية. وأكد في تصريح خاص أن الاستراتيجية المستقبلية يجب أن تركز على الترشيد والتقنيات الحديثة وإعادة استخدام المياه لضمان استدامتها.
وأوضح موحوش أن من بين الإجراءات المقترحة تشجيع إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، مشيرا إلى أن حجم هذه المياه يجب ألا يتجاوز 5٪ من إجمالي المياه المهدرة سنويا، التي تصل إلى نحو 1.5 مليار متر مكعب. وأضاف: “تمتلك الجزائر حوالي 230 محطة تصفية على المستوى الوطني، ما يعكس القدرة على معالجة المياه وتحويلها إلى مورد آمن وقابل للاستعمال في قطاعات متعددة”.
وأكد الخبير على ضرورة تعميم أنظمة الري الموفرة للمياه، مثل الري بالتنقيط والرش المحوري، بما يتناسب مع نوع المحاصيل الزراعية. وقال موحوش: “هذا الانتقال من أنظمة الري التقليدية خطوة أساسية للحد من الهدر المائي وزيادة كفاءة استغلال الموارد المحدودة”.
وأشار البروفيسور إلى أهمية الالتزام بالقواعد العلمية لإدارة المياه، مع ضبط الطلبات والمخصصات بشكل دقيق. وأضاف: “يجب تعزيز البرامج التوعوية والتقنية للفلاحين والمستفيدين من الموارد المائية لضمان الاستخدام الأمثل وتحقيق الاستدامة”.
لذا فالجزائر تواجه تحديا كبيرا يتمثل في تحقيق توازن بين الطلب المتزايد على المياه والموارد المحدودة المتاحة. وأضاف: “الحل يكمن في الإدارة الرشيدة، الترشيد، التقنيات الحديثة، وإعادة استخدام المياه، مع التخطيط الاستراتيجي الذي يضمن استدامة الثروات المائية للأجيال القادمة”.
زر الذهاب إلى الأعلى